فخر الدين الرازي
59
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
من مبلغ وشارع ومبين ، وما ذاك إلا الرسول . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : العقل كاف في إيجاب الواجبات واجتناب المقبحات ؟ قلنا : هب أن الأمر كما قلتم . إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام . فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة اللَّه تعالى . وكان ذلك جهلا بصفة الإلهية ، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . الوجه الثاني : في تقرير هذا المعنى أن من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل ، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقا له ، والقائلون بهذا القول لهم مقامان : المقام الأول : أن يقولوا إنه ليس في الإمكان خرق العادات ولا إيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة . والمقام الثاني : الذين يسلمون إمكان ذلك . إلا أنهم يقولون إن بتقدير حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات لا دلالة لها على صدق مدعي الرسالة ، وكلا الوجهين يوجب القدح في كمال قدرة اللَّه تعالى . أما المقام الأول : فهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة . وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمله مثله ، وإذا كان كذلك كان جرم الشمس والقمر قابلا للتمزق والتفرق . فإن قلنا : إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وصفا له بالعجز ونقصان القدرة ، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل : أنه ما قدر اللَّه حق قدره . وإن قلنا : إنه تعالى قادر عليه ، فحينئذ لا يمتنع عقلا انشقاق القمر ، ولا حصول سائر المعجزات . وأما المقام الثاني : وهو أن حدوث هذه الأفعال الخارقة للعادة عند دعوى مدعي النبوة تدل على صدقهم ، فهذا أيضا ظاهر على ما هو مقرر في كتب الأصول . فثبت أن كل من أنكر إمكان البعثة والرسالة ، فقد وصف اللَّه بالعجز ونقصان القدرة ، وكل من قال ذلك فهو ما قدر اللَّه حق قدره . والوجه الثالث : أنه لما ثبت حدوث العالم ، فنقول : حدوثه يدل على أن إله العالم قادر عالم حكيم ، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق ، وملك لهم على الإطلاق ، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على عباده ، وأن يكون له وعد على الطاعة ، ووعيد على المعصية ، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكا مطاعا ، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر اللَّه حق قدره ، فثبت أن كل من قال ما أنزل اللَّه على بشر من شيء فهو ما قدر اللَّه حق قدره . المسألة الثالثة : في هذه الآية بحث صعب ، وهو أن يقال : هؤلاء الذين حكى اللَّه عنهم أنهم قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ إما أن يقال : إنهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فإن كان الأول ، فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله تعالى : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء فكيف يحسن إيراد هذا